اسم كبير أمام سؤال صغير
في مشهد متخيل، تجلس مجموعة من الأصدقاء حول مائدة بعد ندوة علمية. يعيد أحدهم مقطعًا قصيرًا لعالم معروف يتحدث عن شكل المدرسة المثالية. يقول: «يكفي أنه صاحب هذا الإنجاز العلمي». يسأله صديق: «هل يشرح هنا نتيجة بحث في التعليم، أم يقدم رأيًا شخصيًا؟». يسود صمت خفيف، كأن السؤال مسّ احترام الرجل، مع أنه لم ينكر إنجازه ولم يقدم رأيًا مضادًا.
نقابل هذا الالتباس كلما انتقلت السمعة من مجال إلى آخر. قد نسمع اسمًا نثق به، فنمنح عبارته قوة إضافية قبل أن نسأل عن صلتها بما يعرفه. وقد نذهب إلى الطرف المقابل، فنرفض كل اعتماد على الخبراء باسم التفكير المستقل. بين الموقفين سؤال أدق: ما مقدار الثقة الذي يستحقه هذا القول، وفي هذه المسألة تحديدًا؟
هذه مقالة تأملية في أخلاق المعرفة وحدود الاحتجاج بالخبرة. لا تقيس انتشار تحيز نفسي، ولا تفسر دوافع شخص بعينه، ولا تعرض دراسة تجريبية عن الجمهور. تستعين بنصوص فلسفية أصلية وبالمرجعية الإسلامية لبناء أسئلة تساعد على التفريق بين احترام الإنسان وتقويم دعواه.
أسئلة تفتح النقاش
- هل تنتقل قوة الخبرة تلقائيًا بين التخصصات؟
- متى يكون الاعتماد على الخبير معقولًا؟
- كيف نسأل عن الدليل دون ادعاء أننا نعرف أكثر؟
- ماذا نفعل حين يختلف المختصون؟
1. الخبرة علاقة بين شخص ومسألة
كلمة «خبير» تبدو أحيانًا صفة مكتملة يحملها صاحبها أينما ذهب. لكن معناها العملي لا ينفصل عن سؤال محدد. قد يكون شخص بارعًا في ترميم المخطوطات، ولا تجعله هذه البراعة المرجع الأنسب لتأريخ كل نص يمر بين يديه. وقد يجتمع الاختصاصان عنده فعلًا؛ المطلوب معرفة ذلك، لا افتراضه ولا استبعاده.
الفارق هنا بين حدود نعرفها وحدود نرسمها تعسفًا. ليس التخصص سجنًا يمنع صاحبه من القراءة خارجه، ولا عنوان الشهادة وصفًا كاملًا لما تعلمه خلال حياته. يستطيع الباحث أن يوسع عمله، وأن يتعاون مع أصحاب اختصاصات أخرى. لكن انتقاله يحتاج إلى مسار يمكن بيانه: أعمال، أو تدريب، أو حجة تستند إلى معرفة ملائمة.
يلفت أرسطو في الكتاب الأول من «الأخلاق النيقوماخية» إلى صلة الحكم بما يعرفه الإنسان:
«يحسن كل إنسان الحكم على ما يعرفه».
نقرأ العبارة ضمن نقاشه لطبيعة البحث الأخلاقي ولخبرة من يتلقاه، لا باعتبارها نتيجة اختبار حديث ولا ضمانًا لعصمة العارف. فائدتها هنا أنها تعيد السؤال إلى موضوع المعرفة. قد نختلف مع حكم متخصص، لكننا نحتاج أولًا إلى فهم ما يمنحه أهلية النظر في المسألة.
وفي الحياة اليومية لا يلزم التحقيق في سيرة كل متحدث. إذا سألت نجارًا عن مفصلة باب، فأنت تلجأ إلى خبرة متصلة بالمشكلة. أما إذا استشهدت بمهارته نفسها لإثبات رأي في تاريخ مدينة، فقد أضفت إلى كلامه قوة لا تأتي من تلك المهارة. ربما يكون رأيه التاريخي صحيحًا، لكن صحته تحتاج سندًا يناسبه.
والأمر نفسه ينطبق علينا. حين يمدح الناس قدرتنا في مجال، قد يطلبون رأينا في مجالات أخرى. يمكن أن نشارك فكرة نافعة دون أن نقدمها بوصفها خلاصة اختصاص. عبارة «هذا انطباعي، ولم أبحث الموضوع» لا تلغي قيمتنا؛ إنها تخبر المستمع بما يستطيع أن يضعه على كفة الميزان.
2. متى يصبح الاحترام بديلًا عن الحجة؟
يمكن أن تكون مكانة المتحدث سببًا للاستماع إليه، لكنها لا تجيب وحدها عن كل سؤال حول قوله. يبدأ الالتباس عندما يتحول طلب التوضيح إلى اتهام بقلة الأدب: كيف تراجع كلام من هو أعلم منك؟ هذا الاعتراض قد يوقف الحديث، لكنه لا يبين أين تقع قوة الدليل.
في الكتاب الرابع من «مقالة في الفهم البشري»، يناقش جون لوك الاحتجاج بمكانة أصحاب الأسماء المعتبرة، ويصف الضغط الذي يجعل الاعتراض عليهم يبدو خروجًا على الاحترام. وفي حديثه عن الحجة يقول:
«أدلة مستمدة من أسس المعرفة أو الاحتمال».
لا يلزم من هذا أن نحذف الأسماء أو أن نتعامل مع كل رأي كما لو صدر من مجهول. المقصود ألا تكون الهيبة وحدها نهاية السؤال. للمكانة المعرفية أسباب، وتصبح الثقة أوضح حين نستطيع الإشارة إلى بعضها بدل مطالبة السائل بالسكوت.
لنتخيل لجنة تختار طريقة لحفظ وثائق قديمة. يقول مختص: هذه المادة مناسبة لأن اختبارات معينة بينت خصائصها في ظروف شبيهة. هنا يقدم سببًا يستطيع الفريق تتبعه، ولو احتاج إلى خبير آخر لفهم التفاصيل. ويقول آخر: هذه أفضل مادة لأن صاحب كتاب مشهور يحبها. ليس الاعتراض على شهرة الكاتب، بل على الصلة الناقصة بين الإعجاب الشخصي وصلاحية المادة للعمل المطلوب.
وقد يقع الخلط داخل كلام واحد. يبدأ المتحدث بوصف تقني، ثم ينتقل إلى تفضيل اجتماعي أو حكم أخلاقي دون إعلان الانتقال. معرفة كلفة مشروع، مثلًا، لا تحسم وحدها أي احتياج ينبغي تقديمه عند توزيع الموارد. يمكن للخبرة أن توضح النتائج والقيود، بينما يحتاج الاختيار أيضًا إلى مناقشة الغايات وحقوق المتأثرين.
ولا يصبح كل خروج عن الاختصاص مغالطة. إن قدم الإنسان حجة واضحة خارج مجاله، فلنناقشها بما تستحقه. الخطأ هو منحها حصانة بسبب لقب لا يتصل بها، أو رفضها لمجرد أن قائلها لا يحمل اللقب الذي ننتظره. الإنصاف يحفظ قيمة الحجة وموضع الخبرة معًا.
اعتراض جاد: ألسنا محتاجين إلى من يعرف أكثر؟
بلى، ولو اشترطنا إعادة بناء كل معرفة من بدايتها لتعطلت أبسط أعمالنا. لا نفحص بأنفسنا كل آلة نستخدمها، ولا نتعلم جميع اللغات للتحقق من كل ترجمة. الاعتماد على الآخرين جزء من الحياة المشتركة، وليس عيبًا يجب إخفاؤه. لذلك لا تدعو المقالة إلى الارتياب الدائم، بل إلى ثقة لها موضوع وحدود.
السؤال المفيد ليس: هل صدقت أحدًا؟ بل: لماذا رجحت هذا المصدر في هذا الأمر؟ قد تكون الإجابة اختصاصًا مناسبًا، وعملًا يمكن مراجعته، واتفاقًا بين جهات مستقلة ذات صلة. هذه أسباب للاعتماد، حتى عندما لا نملك القدرة على فحص التفاصيل جميعها. أما طلب اليقين المطلق فقد ينتهي إلى تعطيل الحكم أو تسليمه لمن يعدنا بما لا يقدر عليه.
3. الاختلاف بين الخبراء يحتاج إلى قراءة
حين يظهر رأيان مختلفان لمختصين، قد نقفز إلى أن المجال كله لا يعرف شيئًا. لكن الاختلاف نفسه يحتاج وصفًا: هل يتحدثان عن الواقعة ذاتها؟ هل يستخدمان التعريف نفسه؟ هل يتفقان على المعلومات ويختلفان في تقدير نتائجها؟ أم أن الخلاف في القيمة التي ينبغي تقديمها؟
يمكن أن يوصي مرممان بطريقة مختلفة لأن أحدهما يفترض بقاء القطعة في قاعة مضبوطة، والآخر يتوقع نقلها المتكرر. إذا حذفنا الشروط من العرض، بدا الخلاف أعمق مما هو. وقد يبقى اختلاف حقيقي بعد توضيح الشروط؛ عندئذ لا تساعدنا نبرة الصوت وحدها على الترجيح.
ومن غير الإنصاف أيضًا صناعة تعادل لمجرد وجود اسمين. قول فرد في مقابلة ليس بالضرورة مساويًا لخلاصة عمل واسع راجعه مختصون كثر. وفي المقابل، لا يلزم وصف رأي الأقلية بالعبث قبل فهم أساسه. نحتاج إلى معرفة وزن الرأي داخل مجاله، وما يسنده، وما يقوله أصحاب المعرفة الملائمة عنه، دون تحويل عدد الأسماء إلى عملية حسابية بسيطة للحقيقة.
وقد لا نقدر على الحسم. يمكن أن نقول إن المسألة لم تتضح لنا، أو أن نرجح جوابًا مع بقاء قدر من عدم اليقين. الاعتراف بحدود فهمنا لا يفرض علينا تعليق جميع أفعالنا؛ لكنه يمنعنا من عرض ترجيح مؤقت بوصفه حقيقة قاطعة عند نقله للآخرين.
وتتفاوت الحاجة إلى التحقق بحسب أثر القرار. سؤال عن ذوق قراءة لا يساوي قرارًا يصعب الرجوع عنه. لسنا مطالبين بالمقدار نفسه من البحث في كل شأن، لكننا مسؤولون عن ألا نرفع الثقة لأن الإجابة مريحة فقط. وقد يكون أفضل عمل نؤديه هو العثور على جهة مؤهلة للسؤال بدل ادعاء التحكيم بين تخصصات لا نعرف أدواتها.
ولا تنسَ أن الحكم على الخبراء نفسه يحتاج تواضعًا. سهولة الشرح ميزة في التواصل، لكنها ليست وحدها دليلًا على صحة المضمون. وقد يكون جواب دقيق أقل جاذبية لأنه يذكر الشروط والاستثناءات. ليس كل تعقيد علامة عمق، ولا كل بساطة علامة ضعف؛ المطلوب أن تخدم العبارة فهم المسألة.
4. كيف نصغي دون أن نستقيل من السؤال؟
يمكن أن يبدأ الإنصات بسؤال يحدد نوع الكلام: هل هذه نتيجة بحث، أم خبرة ممارسة، أم توقع، أم تفضيل؟ لا يراد بهذه الأسئلة إحراج المتحدث. إنها تساعد على وضع عبارته في السياق الذي يجعلها مفهومة، بدل استعمال كلمة «العلم» غطاءً لكل ما يقال.
ويساعد سؤال ثانٍ: ما الذي قد يجعل هذا الحكم يتغير؟ إذا كانت الإجابة تتضمن معلومات جديدة أو شروطًا محددة، أصبح أمامنا طريق للفهم والمراجعة. أما إذا كان كل اعتراض مرفوضًا مقدمًا لأنه صادر عن غير أهل الثقة، فقد أُغلق باب الفحص دون أن تظهر قوة إضافية للحجة.
لكن للسؤال أدبًا أيضًا. ليست مطالبة الخبير بشرح سنوات من العمل في دقيقة طريقة عادلة للتقييم. يمكن طلب مدخل مناسب أو مرجع واضح، والاعتراف بأن بعض التفاصيل تحتاج تعلمًا أطول. قولنا «لم أفهم» يصف حالنا؛ ولا يكفي وحده لإثبات أن الفكرة فارغة.
وفي المقابل، ليس من الواجب أن ننقل كل رأي نسمعه. حين لا نعرف أساس العبارة أو حدودها، نستطيع تركها دون إعادة نشر. وإذا نقلناها، نحفظ نوعها وسياقها: «يرجح في هذه الظروف»، لا «ثبت دائمًا». حذف كلمة صغيرة قد يحول جوابًا حذرًا إلى وعد لم يقدمه صاحبه.
ولصاحب الخبرة مسؤولية مقابلة. يستطيع أن يوضح متى يتحدث من داخل عمله ومتى يشارك رأيًا عامًا، وأن يحيل السائل إلى من هو أقرب إلى المسألة. ولا ينبغي أن نجعل الإحالة عجزًا؛ فربما كانت أدق إجابة هي معرفة الباب الصحيح الذي يجب أن نطرقه.
في ضوء القرآن والحكمة الإسلامية
يربط القرآن القول والفعل بمسؤولية المعرفة:
وتذكر بقية الآية مسؤولية السمع والبصر والفؤاد. يفسر السعدي النهي بالتثبت فيما يقوله الإنسان ويفعله:
«بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله».
هذه المسؤولية أوسع من تقييم مقطع أو محاضرة. نستلهم منها ألا ننسب إلى العلم ما لم نتبين أساسه، وألا نجعل إعجابنا بشخص عذرًا لقول لا نعرفه. هذا ربط تأملي بمعنى الآية، وليس ادعاء أن النص يضع قائمة حديثة لاعتماد الخبراء أو يلغي الحاجة إلى سؤال أهل المعرفة.
وفي واقعة تلقيح النخل يروي صحيح مسلم قول النبي ﷺ:
«أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».
ورد القول في سياق ممارسة زراعية وخبرة أهلها؛ فلا نفصله عن ذلك لننفي مرجعية الدين في الأخلاق والأحكام، ولا نحوله إلى عبارة تبرر كل رأي دنيوي. ما نستأنس به هنا هو الاعتراف بموضع المعرفة العملية. حفظ هذا السياق يمنعنا من استعمال الحديث نفسه استعمالًا يشبه الخطأ الذي تناقشه المقالة: توسيع دلالة القول بلا بيان.
والتواضع المعرفي ليس تقليلًا من قدر العلم أو العلماء. قد يظهر في الإصغاء لمن يعرف، وفي الامتناع عن الجزم بما لا نعرف، وفي قدرة صاحب المكانة على قول «هذه المسألة ليست من عملي». نجمع بذلك توقير العلم مع أمانة النقل وحدود الاجتهاد البشري.
تمرين في عبارة واحدة
اختر عبارة أعجبتك لأن صاحبها مشهور في مجال علمي أو فكري. اكتب مضمونها دون اسمه، ثم أعد الاسم واسأل: ما الذي أضافه تحديدًا؟ هل أضاف خبرة مرتبطة بالمسألة، أم شعورًا عامًا بالاطمئنان؟ لا تستعمل التمرين لإدانة نفسك؛ استخدمه لتحديد ما يحتاج إلى سؤال.
بعد ذلك، ابحث عن مصدر العبارة الكامل، وحدد نوعها وشروطها، واطلب تفسيرًا مناسبًا إن أمكن. وإذا وجدت رأيًا مختلفًا، فلا تكتف بجمع الاقتباسين؛ حاول فهم موضع الخلاف. يمكنك أن تنتهي إلى ثقة أوضح، أو إلى تحفظ محدد، أو إلى تأجيل الحكم.
خلاصة: ثقة تعرف موضوعها
نعود إلى المائدة المتخيلة. لا يحتاج الصديق إلى الانتقاص من العالم كي يسأل عن أساس رأيه في المدرسة. وقد يكتشف أن للرجل عملًا جادًا في التعليم لم يعرفه، أو أن المقطع يعرض اقتراحًا شخصيًا فقط. في الحالين، جعل السؤال الثقة أكثر تحديدًا.
احترام الخبرة يمنح المعرفة مكانها، واحترام حدودها يحميها من استعمال لا تحتمله. لا نحتاج إلى إنسان يعرف كل شيء، ولا إلى قارئ يشك في كل شيء. نحتاج إلى علاقة أصدق بين السؤال ومن نوجهه إليه، وبين القول والمقدار الذي يسمح به دليله.
أسئلة تبقى معنا
- في أي مسألة منحت اسم المتحدث وزنًا أكبر من صلته بالموضوع؟
- ما السؤال الذي يوضح حدود خبرته دون إساءة؟
- هل تستطيع نقل رأي ترجحه مع الاحتفاظ بشروطه؟
- متى تكون الإحالة إلى خبير آخر أفضل جواب؟


