مزهرية لا تحفظ شيئًا
في مشهد متخيل، يزور صديقان معرضًا صغيرًا للخزف. يتوقف أحدهما أمام قطعة لا تصلح لحفظ الماء، ولا يسهل وضع الزهور فيها. يقول: «جميلة، لكن ماذا سأفعل بها؟». يجيب الآخر: «ربما تنظر إليها». يضحكان، ثم يبقى السؤال بينهما: هل النظر نفسه سبب كافٍ، أم أن كل شيء ينبغي أن يقدم خدمة أخرى كي يستحق مكانه؟
لا يدور هذا السؤال حول مزهرية وحدها. نسأله حين نقف أمام لوحة، أو نقرأ قصيدة لا تقدم نصيحة، أو نرى زخرفة اختار صانعها أن يمنحها وقتًا طويلًا. وقد نرد عليه بحماس معاكس: الفن لا يحتاج إلى أي تبرير. لكن هذا الرد بدوره يترك أسئلة عن المال والوقت وحقوق الآخرين، وعن الفرق بين حرية الفن ومنحه حصانة من النقد.
هذه مقالة تأملية في معيار القيمة، لا دراسة تقيس أثر الفن في الصحة أو التعلم. لا تفترض أن كل ما يسمى فنًا جميل، ولا أن كل تجربة فنية نافعة لكل إنسان. تحاول أن تفتح مساحة بين اختزال الفن إلى أداة، وفصله تمامًا عن الحياة التي يُصنع ويُعرض فيها.
أسئلة تفتح النقاش
- هل تعني المنفعة الوظيفة العملية وحدها؟
- هل يفقد العمل قيمته إذا لم يحمل رسالة واضحة؟
- متى تكون المطالبة بالفائدة سؤالًا مشروعًا؟
- كيف نحترم الفن دون تبرير الهدر أو التعالي؟
1. حين تضيق كلمة «نافع»
إذا طلبنا من كرسي أن يحمل جسدًا، فنحن نسأله عن وظيفة أساسية. ومن حق من يشتريه أن يتوقع أداءً مناسبًا لها. لكن مطالبة لوحة بالوظيفة نفسها تجعل السؤال غريبًا. ليست المشكلة في تقدير المنفعة، بل في اختيار معيار لا يلائم الشيء الذي نحكم عليه.
قد نقول إن اللوحة نافعة لأنها تمنحنا متعة النظر. وهذا توسيع معقول للكلمة، لكنه يكشف أننا غير متفقين على معناها منذ البداية. أحيانًا يقصد السائل منفعة قابلة للوصف المباشر، وأحيانًا يقصد كل ما يجعل الحياة جديرة بالعيش. وحين يتبدل المعنى أثناء النقاش، نبدو مختلفين أكثر مما نحن مختلفون فعلًا.
يختم أوسكار وايلد مقدمة «صورة دوريان غراي» بعبارة استفزازية:
«كل الفن عديم النفع تمامًا».
تأتي العبارة ضمن مقدمة تدافع عن استقلال الحكم الفني وتستخدم المفارقة. لذلك لا نقرأها كقياس تجريبي لآثار الفن، ولا كقول إن الفن بلا قيمة. يمكن أن نختلف مع موقف وايلد، وأن نلتقط منه سؤالًا محددًا: لماذا يجب أن يستعير العمل الفني مبرر وجوده دائمًا من خدمة تقع خارجه؟
في حياتنا أفعال لا نطلب منها نتيجة إضافية كل مرة. قد نتمهل في حديث ممتع، أو نشاهد تغير الضوء على جدار، دون أن نحول اللحظة إلى تدريب أو استثمار. لا يعني ذلك أن الوقت غير محدود، بل أن تنظيمه لا يقتضي أن يكون لكل دقيقة منتج مستقل عنها.
لكن توسيع المنفعة ليشمل كل تجربة نحبها قد يجعلها كلمة لا تميز شيئًا. ربما نحتاج أحيانًا إلى قول أبسط: لهذا العمل قيمة جمالية عندي، حتى لو لم أجد له استعمالًا آخر. هذه عبارة شخصية يمكن مناقشتها، ولا تتنكر في صورة حكم يفرض ذوقنا على الجميع.
2. بين رسالة العمل وطريقة وجوده
قد تحمل لوحة موقفًا اجتماعيًا، وقد تروي قصيدة تجربة ظلم، وقد يستخدم تصميم بصري لتوضيح فكرة. لا يفسد الفن لأنه يخدم غاية. الخلط يبدأ حين نعامل وضوح الرسالة بوصفه المعيار الوحيد لنجاح العمل، فنساوي بين العمل الفني وملخص يمكن أن يحل محله.
لنتخيل رسمين يحملان الجملة نفسها عن العناية بمدينة. قد يختلفان في الإيقاع واللون والمساحة، وفي ما يجعلاننا نراه وما يتركانه خارج الإطار. لا تكفي معرفة الجملة لفهم هذا الاختلاف. الطريقة التي يظهر بها الشيء جزء من التجربة، وليست مجرد عبوة يمكن التخلص منها بعد استخراج الفكرة.
وفي الاتجاه المقابل، لا تمنح الرسالة النبيلة العمل جودة تلقائية. قد نتفق مع غايته ونجده ضعيفًا في بنائه، كما يمكن أن ندرك مهارة عمل نختلف مع موقفه. فصل هذين الحكمين يساعد على نقد أكثر دقة، ولا يجبرنا على اختيار إعجاب كامل أو رفض كامل.
وقد يرفض الفنان تحديد رسالة واحدة لعمله. هذا لا يعني بالضرورة أنه يخفي فراغًا، كما لا يثبت تلقائيًا عمقًا غامضًا. يمكن أن ننظر إلى ما صنعه فعلًا: العلاقات بين الأجزاء، والاختيارات، والقدرة على إبقاء انتباهنا. وإذا لم نجد ما يخاطبنا، نستطيع قول ذلك دون اختراع وظيفة لكي ندافع عنه أو ندينه.
أما المتلقي فليس مكلفًا بالخروج من كل تجربة بدروس جاهزة. قد يجد سؤالًا، أو يتذوق صنعة، أو يظل غير مقتنع. احترام الفن لا يعني تمثيل الدهشة أمام كل عمل، بل منحه فرصة مناسبة ثم وصف الاستجابة بصدق، مع الاعتراف بأن استجابتنا ليست الحكم الأخير.
3. الأشياء التي تجمع الوظيفة والجمال
ليس علينا أن نقسم العالم إلى أدوات نافعة وأعمال جميلة. هناك أبواب وأوانٍ وأقمشة وكتب تجمع الاستعمال والصنعة البصرية. وقد تنشأ قيمة التصميم من التقاء الاثنين، بحيث يخدم الشكل طريقة الاستخدام ويمنحها شخصية في الوقت نفسه.
في محاضرته «جمال الحياة»، يضع وليام موريس قاعدة لأشياء البيت:
«لا تضعوا في بيوتكم شيئًا لا تعرفون أنه نافع، أو تعتقدون أنه جميل».
وردت القاعدة في سياق نقد الترف والأشياء المزعجة الزائدة، لا في إعلان حرب على كل زينة. وهي تتيح للجمال مكانًا إلى جانب الاستعمال. ويمكن أن نأخذ منها دعوة إلى الاختيار الواعي، دون تحويل ذوق موريس أو تصوره للبيت إلى قانون يناسب كل الناس.
كوب يسهل حمله وله لون نحبه لا يحتاج إلى منافسة بين ميزتيه. لكن إذا جعلت الزخرفة الإمساك به صعبًا، صار سؤال الوظيفة مهمًا. الحكم يتغير بحسب الغرض المعلن: هل هو كوب للاستخدام اليومي، أم قطعة عرض تستعير هيئة الكوب؟ وضوح هذا الفرق يحمي الصانع والمستخدم من توقعات متناقضة.
والمثال نفسه يبين أن الجمال ليس عذرًا لإخفاء عيب. إذا بيعت قطعة بوصفها صالحة لغرض محدد، فلا ينبغي أن يصير الإعجاب بها جوابًا عن إخفاقها فيه. كما أن نجاح الأداة عمليًا لا يمنعنا من الاهتمام بما يضيفه حسن صنعها إلى علاقتنا بها.
وقد يكون الشيء جميلًا دون أن يكون غاليًا، وقد لا نحب شيئًا مرتفع السعر. لا يلزم أن نحول هذا إلى حكم عام على سوق الفن؛ يكفينا التمييز بين ثمن يحدده تبادل معين، وتجربة لا يختصرها الرقم. يستطيع الإنسان تقدير عمل لا يملكه، والاستمتاع بلقاء لا ينتهي بشراء.
4. استقلال الفن لا يعفي شروطه من السؤال
حين نقول إن الفن لا يختزل إلى منفعة مباشرة، لا نقول إن إنتاجه خارج المسؤولية. توجد مواد وأجور ومساحات ومواعيد وأشخاص يتأثرون بالقرارات. ويمكن مساءلة طريقة التعامل معهم دون مطالبة العمل بأن يتحول إلى منشور تعليمي.
لنتخيل معرضًا يدعو الزائر إلى التأمل في الكرامة، بينما لا يحترم جهد من جهز القاعة. لا تعالج قوة الفكرة هذا التناقض. وفي المقابل، لا يتوقف استحقاق العامل لأجره على إعجاب الجمهور بالمعرض. الحقوق لا ينبغي أن تصبح مكافأة تمنح حين ينجح العمل فنيًا.
وهناك فرق بين اختيار الفرد لما يقتنيه، واتخاذ قرار يخص مالًا أو مكانًا مشتركًا. في الحالة الثانية تظهر أسئلة عن الإتاحة والأولوية والشفافية. هذه ليست معادلة جاهزة تقول إن كل مشروع فني يجب أن يخسر أمام كل حاجة أخرى، لكنها تمنع استخدام كلمة «الفن» لإغلاق النقاش قبل بدايته.
كما ينبغي ألا تصبح حرية التذوق ذريعة للتعالي. إذا لم يفهم شخص عملًا، يمكن تقديم مدخل إليه دون السخرية منه. وإذا أحبه آخر، فلا يلزم اتهامه بالتصنع. مساحة الفن تتسع حين نستطيع أن نختلف في الوصف والحكم، لا حين نرتب الناس بحسب قدرتهم على تكرار لغة نقدية بعينها.
اعتراض جاد: ماذا عن الحاجات الأكثر إلحاحًا؟
قد يقول معترض إن هذا الكلام يبدو مريحًا لمن يملك الوقت والموارد، بينما توجد حاجات لا تحتمل التأجيل. الاعتراض مهم: الدفاع عن القيمة الجمالية لا يبرر إنفاقًا غير مسؤول، ولا يلغي المفاضلة عندما تكون الموارد محدودة. أحيانًا تكون الأولوية واضحة، ويجب الاعتراف بها.
لكن الانتقال من قرار محدد إلى إلغاء قيمة الفن كلها قفزة أخرى. يمكن أن نرفض كلفة مشروع معين ونظل نرى مكانًا للرسم والقراءة والصنعة الجميلة في حياة الناس. ليس كل لقاء بالفن شراءً مكلفًا، ولا كل دفاع عنه دفاعًا عن الترف. السؤال العملي هو كيف نتيح التجربة ونوازن الموارد بعدل، لا كيف نطلب من الجمال الاعتذار عن وجوده.
في ضوء القرآن والحكمة الإسلامية
يذكر القرآن جمال الأنعام ضمن عرض النعم:
.
ويشرح السعدي الزمنين بقوله:
«في وقت راحتها وسكونها ووقت حركتها وسرحها».
الآية تتحدث عن الأنعام، وليست حكمًا تفصيليًا على الفنون. ما نستلهمه هنا هو أن ملاحظة الجمال حاضرة في وصف النعمة، وليست محذوفة لمصلحة الاستعمال وحده. هذا تأمل في الصلة بموضوع المقالة، لا مساواة بين كل عمل بشري وبين ما تصفه الآية.
وفي صحيح مسلم، جاء سؤال عن حب حسن الثوب والنعل ضمن الحديث عن الكبر، فقال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ».
ويبين بقية الحديث الكبر برد الحق واحتقار الناس. يحفظ السياق الفرق بين العناية بالجمال والتعالي به. ولا نستعمل المقتطف فتوى عامة تبيح كل صورة من صور الفن؛ فالأحكام التفصيلية لها بحثها. الصلة هنا أخلاقية: يمكن تقدير الجميل مع بقاء التواضع وحقوق الآخرين موضع عناية.
ومن هذا المنظور لا نحتاج إلى اختيار مصطنع بين حياة نافعة وحياة ترى الجمال. يمكن أن نؤدي مسؤولياتنا ونمنح الحسن نصيبًا، وأن نراجع إسرافنا دون احتقار ذوق الناس. الميزان ليس شعارًا واحدًا، بل نظر في الفعل وسياقه وما يترتب عليه.
تطبيق عملي: ثلاثة أسئلة أمام عمل واحد
في اللقاء القادم بعمل فني، جرّب أن تؤجل سؤال «ما فائدته؟» قليلًا. صف أولًا ما تراه بالفعل: مادة، لون، مساحة، تكرار، أو اختلاف. ثم اسأل عما حدث في تجربتك: هل انتبهت إلى شيء، أم لم تجد ما يشدك؟ لا يلزم أن تأتي الإجابة مديحًا.
بعد ذلك أعد سؤال المنفعة بصيغة أدق: هل أبحث عن وظيفة عملية، أم رسالة، أم سبب للاقتناء، أم حكم على قيمة التجربة؟ إذا كنت تفكر في شراء، فلتدخل القدرة المالية والحاجة والمساحة في القرار. وإذا كنت تشاهد فقط، فلا تحمل اللقاء كل أسئلة الملكية.
وأخيرًا، انظر إلى شروط العمل إن كانت معروفة: صدق نسبته، وطريقة تقديمه، واحترام من شاركوا فيه. تستطيع الجمع بين إعجاب جمالي ونقد أخلاقي محدد، أو بين عدم الإعجاب واحترام الجهد. هذه الأحكام المتجاورة أكثر أمانة من كلمة واحدة تحاول أن تقول كل شيء.
خلاصة: مساحة لا تحتاج إلى وظيفة مستعارة
نعود إلى المزهرية المتخيلة. قد يقرر الصديق شراءها، وقد يكتفي بالنظر، وقد يمضي دون إعجاب. لا تجعل المقالة أحد هذه الخيارات واجبًا. إنها تقترح أن نعرف السؤال الذي نحكم به، وألا نسمي غياب الاستعمال غيابًا للقيمة قبل أن نفكر في معنى القيمة نفسها.
الفن يستطيع أن يخدم غايات، لكنه لا ينحصر فيها. واحترام استقلاله يستطيع أن يجتمع مع نقد تكلفته وشروطه وآثاره. وبين الإعجاب والرفض فرصة للنظر إلى الشيء على مهل، دون أن نطالبه بوظيفة لا يعد بها، ودون أن نمنحه حقًا في تعطيل أسئلتنا.
أسئلة تبقى معنا
- ما الشيء الذي تقدره دون استعمال عملي مباشر؟
- هل تطلب من الفن رسالة لا تطلبها من تجارب أخرى؟
- كيف تفرق بين نقد عمل فني واحتقار من يحبه؟
- ما الحدود التي تجعل العناية بالجمال منسجمة مع مسؤولياتك؟


