مائدة تتسع لأكثر من ذوق
هذا مشهد متخيّل: اجتمع خمسة أصدقاء لترتيب أمسية في بيت أحدهم. أراد الأول طعامًا مألوفًا، واقترح الثاني وصفة لم يجربها أحد، وأحب الثالث أن تكون الإضاءة خافتة، بينما قال الرابع إن الغرفة تبدو كأنها مغلقة منذ زمن. لم يبدأ الخلاف حول أمر مصيري، لكن النبرة تغيّرت حين قال أحدهم: «لا أفهم كيف يعجبك هذا». صار المطلوب فجأة أن يدافع كل واحد عن نفسه، لا عن اختيار وجبته. وانتهت الأمسية قبل أن تبدأ، مع أن الطاولة كانت تتسع للجميع.
قد نعبر عن ذوقنا بكلمة عابرة ونحسب أننا وصفنا شيئًا، بينما يسمع الآخر أننا صنّفناه هو. الفارق بين «هذا اللون لا يناسبني» و«كيف يختار إنسان عاقل هذا اللون؟» ليس مجرد تحسين لغوي. في العبارة الأولى أصف علاقتي بالشيء؛ وفي الثانية أجعل علاقتك به عيبًا فيك. هنا ينتقل الاختلاف من مساحة يمكن أن تثري الحياة إلى امتحان للانتماء.
ما الذي يزعجنا حقًا حين لا يعجب الآخرين ما نحبه؟ متى يتحول التفضيل إلى قاعدة نفرضها؟ هل احترام ذوق الآخر يقتضي الإعجاب به؟ وكيف نتفق على قرار مشترك من دون أن يصبح صاحب الصوت الأعلى صاحب الذوق الوحيد؟ هذه قراءة تأملية أخلاقية، وليست دراسة تجريبية تزعم تفسير أذواق جميع الناس. أمثلتها أدوات للفهم، وحجتها قابلة للنقاش.
1. حين يصبح «أحبه» حكمًا على الناس
من حق الإنسان أن يحب وأن ينفر، وأن يرى جمالًا لا يراه غيره. لكن الشعور المباشر ليس وحده حجة لإلزام الجميع. قد يبدو لنا تصميم شديد البساطة فارغًا، ويبدو لغيرنا هادئًا؛ وقد نرى الزخرفة احتفاءً بالتفاصيل، ويراها آخر ازدحامًا. نستطيع وصف أسبابنا، والمقارنة، وتعلّم مفردات أدق، من غير أن نستنتج أن المختلف معنا أقل قيمة.
ليس المقصود أن كل حكم جمالي متساوٍ من كل وجه. يستطيع الحرفي أن يشرح ضعف تركيب، والناقد أن يكشف تناقضًا بين شكل وغرض، والقارئ أن يميّز جملة دقيقة من أخرى مبهمة. غير أن معرفة بعض المعايير لا تمنح صاحبها تفويضًا مفتوحًا لاحتقار الجمهور. يمكن لخبرة الإنسان أن تثري حديثه، ويمكن أن تتحول، إذا أساء استخدامها، إلى طريقة لإغلاق الحديث.
«حرية الأذواق والمساعي».
تأتي العبارة داخل دفاع مل عن حرية الشخص في تشكيل حياته، مع قيد يتعلق بعدم الإضرار بالآخرين. نستفيد هنا من التمييز بين الاختيار الشخصي والإلزام، ولا نتبنى بذلك جميع استنتاجات مذهبه. فالذوق ليس ترخيصًا لأي فعل، لكنه أيضًا ليس ذنبًا يحتاج صاحبه إلى الاعتذار عنه كلما خالف الغالب.
في الحديث اليومي يمكن أن نختبر عدالة العبارة بتبديل المواقع. إذا كنت أسمّي طعامًا أحبه «أصيلًا»، فهل أسمّي طعام غيري «غريبًا» لمجرد أنني لم أنشأ عليه؟ وإذا كنت أطالب باحترام اختياري الهادئ، فهل أمنح صاحب اللون الزاهي القدر نفسه من الاحترام؟ هذا اختبار للاتساق، لا مطالبة بالتخلي عن التفضيلات. نستطيع أن نحتفظ بذوق قوي وأن نتواضع في الحكم على أصحابه المختلفين.
2. لا يلزم أن نتشابه كي نتشارك
العيش المشترك أوسع من اتفاق الأذواق. قد يشترك سكان حي في رعاية مكانهم مع اختلافهم في ملابسهم وطعامهم وأثاث بيوتهم. ما يجمعهم ليس قائمة واحدة بما ينبغي أن يعجبهم، بل قواعد تسمح لكل منهم بأن يكون حاضرًا من دون انتقاص حضور غيره. يبدأ الخلل حين نخلط وحدة الحقوق بوحدة الملامح.
للأشياء التي نحبها صلات بسيرتنا: قد يحب شخص طبقًا لأنه يذكّره ببيت قديم، ويختار آخر كرسيًا لأنه مريح له وإن لم يوافق صورة الغرفة المثالية. هذه احتمالات إنسانية نفهمها بالسؤال، وليست قانونًا نفسيًا نستنتجه من المظهر. حين أسأل: «ما الذي تحبه فيه؟» أتيح للآخر أن يشرح، بدل أن أضع تفسيرًا جاهزًا لدوافعه.
«تجارب مختلفة في العيش».
ليست كل تجربة نموذجًا ينبغي تعميمه. يمكن أن نتعلم من طريقة مختلفة من غير أن نختارها لأنفسنا. من يحب جمع الأدوات القديمة لا يلزم أن يقنع من يفضّل بيتًا خفيف الأثاث بأن يتحول إلى جامع، كما لا يلزم الثاني أن يقنع الأول بأن مقتنياته كلها عبء. يستطيعان تبادل المعرفة، ثم يبقى لكل منهما اختياره.
والتعارف ليس استجوابًا يطالب الناس بتبرير كل تفصيل. قد يشرح المرء، وقد يقول ببساطة: «هذا ما أرتاح إليه». احترامه لا يتوقف على أن يقدم قصة مؤثرة وراء اختياره. نحن لا نحترم الأشخاص لأن تفضيلاتهم نجحت في امتحاننا، بل لأن الحوار معهم ينبغي أن يبدأ من الاعتراف بهم، ثم يناقش ما يحتاج إلى النقاش.
3. حين يدخل الذوق مساحة مشتركة
تتغير المسألة عندما لا يبقى أثر الاختيار عند صاحبه. لون كوب على مكتبي يختلف عن صوت مرتفع يصل إلى مكاتب الجميع. ورائحة أفضلها في غرفتي تختلف عن نشرها في مكان مغلق لا يستطيع الآخرون مغادرته بسهولة. ليس كل اعتراض على ممارسة معينة اعتداءً على الذوق؛ فقد يتعلق الاعتراض بأثرها أو بتوزيع حق الاستخدام.
نحتاج هنا إلى سؤال محدد: ما الذي نختلف عليه؟ إن كان الجواب «لا يعجبني» فقط، فلنبحث عن مساحة للاختلاف. وإن كان «يمنعني من القراءة» أو «يستولي على المكان كله» أو «يخالف اتفاقًا سابقًا»، فقد انتقلنا إلى موضوع آخر. وصف الأثر بدقة يساعدنا على اختيار حل مناسب بدل تبادل الاتهامات.
لنفترض أن جماعة تختار شكل قاعة تستخدمها جميعًا. قد يكون التصويت وسيلة عملية، لكنه لا يجعل ذوق الأغلبية حقيقة جمالية نهائية. فوز لون معين يعني أنه اختير بهذه الآلية ولهذا الغرض، لا أن محبي اللون الآخر أخطؤوا في إحساسهم. وحين يكون القرار قابلًا للتبديل، يمكن تجربة ترتيب مؤقت، أو توزيع بعض الخيارات، أو التناوب على ما لا يمكن جمعه.
ولا ينبغي أن تتحول التسوية إلى مطالبة الشخص نفسه بالتنازل كل مرة لأنه أهدأ. العدالة لا تُقاس فقط بأن الاجتماع انتهى بلا شجار؛ بل أيضًا بمن حصل على فرصة الشرح، ومن تحمّل كلفة القرار، وهل يستطيع الاعتراض لاحقًا من غير سخرية. قد تكون المساحة مشتركة بالاسم، بينما يحدد شكلها طرف واحد عمليًا.
هذه اقتراحات لتنظيم الحياة اليومية، وليست وصفة قانونية أو قواعد تصلح لكل مؤسسة. بعض الأماكن لها غرض محدد ومعايير لازمة له. في مكتبة للقراءة مثلًا، يكون الهدوء مرتبطًا بوظيفتها، وليس إعلانًا بأن محبي الحديث أعلى أو أدنى منزلة. المهم أن نشرح سبب القاعدة بدل أن نختبئ وراء عبارة مبهمة مثل «هذا هو الذوق الصحيح».
4. النقد من دون إذلال
يمكن أن يكون احترام الاختلاف سطحيًا إذا صار يعني الصمت الكامل. من حقنا أن نناقش فيلمًا، أو ننتقد مبنى، أو نرفض مقترحًا لتصميم ساحة عامة. بل إن تبادل الحجج قد يوسع ما نراه ونقدّره. لكن النقد يصبح أكثر فائدة حين يحدد موضوعه ومعياره، بدل أن يجعل ذوق الناس دليلًا على عقولهم وأخلاقهم.
بدل «هذا تصميم رديء لأنني أكرهه»، يمكن أن أقول إن الخط يصعب قراءته، أو إن الترتيب لا يخدم الاستخدام المقصود، أو إن اختياري الشخصي يميل إلى بساطة أكبر. هذه جمل مختلفة، ولا يصح جمعها تحت درجة يقين واحدة. الأولى تتعلق بوظيفة يمكن فحصها، والأخرى تشرح تفضيلًا، وقد نحتاج في الحالتين إلى معرفة من سيستخدم التصميم وظروفه.
اعتراض جاد: أليس الدفاع عن الأذواق تبريرًا لكل شيء؟
هذا اعتراض يستحق التوقف. قد يقول شخص إن فتح الباب للاختلاف سيمنعنا من حماية معايير الجودة أو مساءلة محتوى مهين. والجواب أن موضوع المقال هو التفضيل المشروع، لا تحويل الإيذاء إلى مسألة ذوق. إذا تضمّن عمل تحقيرًا لإنسان أو تضليلًا مقصودًا أو تعديًا على حق، فلا يكفي أن يقول صاحبه: «هذا يعجبني» لإغلاق المساءلة.
وفي المقابل، لا يكفي أن أشعر بالنفور كي أثبت وقوع التعدي. علينا أن نوضح الحق أو الضرر أو المعيار الذي نتحدث عنه. بهذا يصبح الاعتراض قابلًا للفهم والرد، بدل أن يتحول إلى سلطة تمنع كل جديد. الدفاع عن إمكان الاختلاف لا يلغي التمييز؛ إنه يطالبنا بأن نعرف على أي أساس نميّز.
وقد يقرر الإنسان ألا يشارك في تجربة لا تناسبه، من دون أن يسعى إلى محوها من حياة الآخرين. ليس مطلوبًا أن نجلس على كل مائدة أو نحب كل عمل. أحيانًا يكون الابتعاد الهادئ أصدق من مجاملة مصطنعة، وأرحم من تعليق جارح لا يطلبه أحد. الفارق أن نختار مسافتنا، لا أن ننزع عن غيرنا حقه في مساحة تخصه.
في ضوء القرآن والحكمة الإسلامية
«لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ».
تنهى الآية في سياقها عن السخرية واللمز والتنابز، ويشرح السعدي السخرية بما يدل على تحقير المسلم قولًا أو فعلًا. ليست الآية نظرية في الحكم الفني، ولا تقول إن الأعمال كلها متساوية الجودة. صلتها بموضوعنا أخلاقية: لا ينبغي أن يصبح اختلاف التفضيل طريقًا إلى تحقير الإنسان. هذا تطبيق تأملي للمعنى، مع إبقاء التفسير والنص متميزين عنه.
«وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا».
تتناول الآية وحدة أصل البشر وتنوع الشعوب والقبائل، وتقرر أن معيار الكرامة عند الله التقوى. ويصل السعدي التعارف بما يترتب عليه من تعاون وحقوق. لا يصح اختزال هذا المعنى في ألوان الثياب والأطعمة، لكن يمكن أن نستضيء به حين نتعامل مع ثقافات مختلفة: المعرفة المتبادلة أليق من جعل اختلاف العادة سببًا للتفاخر أو الاحتقار.
«مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ».
يقدم الحديث صورة واضحة لوجود التفضيل من غير عيب للطعام. إنه لا يفرض أن يشتهي الإنسان كل ما يقدم له، ولا يجعل عدم الأكل إهانة بذاته. واستلهامنا منه في هذا المقال هو إمكان التعبير عن عدم الرغبة بأدب. ولا نعني بذلك ترك التنبيه إلى طعام فاسد أو أمر يستلزم حماية أحد؛ فذلك موضوع له سبب يتجاوز مجرد الاستحسان.
تطبيقات صغيرة تحفظ المكان للجميع
قبل إصدار حكم عام، جرّب صياغة ما تريد قوله في جملة تبدأ بنفسك: «أفضّل»، «لا يناسبني»، «أحتاج». ثم اسأل هل يتعلق الأمر باختيارك وحدك أم بأثر يقع على آخرين. هذا التحويل ليس حيلة لتلطيف الإهانة، بل فرصة لتحديد نطاق الكلام فعلًا.
وعند القرار المشترك، اتفقوا أولًا على الغرض والقيود: من يستخدم المكان؟ وما الذي ينبغي أن يتاح له؟ بعد ذلك ناقشوا البدائل. إذا بدأتم بتصنيف الأذواق إلى راقية ورديئة فقد يصعب سماع احتياجات بسيطة كانت تكفي لحل المشكلة. أما إذا بدأتم بالاستخدام، فربما اكتشفتم أن معظم الاختلاف يمكن أن يبقى من غير نزاع.
وفي جلسة ضيافة، يمكن ترك ما لا نشتهيه بلطف، وشكر الجهد من غير ادعاء الإعجاب بكل تفصيل. وفي نقاش ثقافي، يمكن طلب مثال أو تفسير قبل السخرية من الجمهور. وفي اختيار جماعي متكرر، يمكن مراجعة نصيب كل شخص من القرار. هي ممارسات معقولة تحتاج إلى تقدير السياق، وليست برنامجًا علاجيًا أو وعدًا بانتهاء الخلاف.
خلاصة: المشترك لا يحتاج إلى نسخة واحدة
لا يهدد اختلاف الذوق العيش المشترك بمجرد وجوده. الذي يهدده أن نعجز عن الفصل بين التفضيل والحق، وبين نقد العمل وانتقاص صاحبه، وبين تنظيم المساحة وامتلاكها. قد نختلف في ما نراه جميلًا، ثم نتفق على ألا يُهان أحد بسبب هذا الاختلاف، وعلى أن أثر اختياراتنا في الآخرين يستحق التفاوض.
في المشهد المتخيّل، لم يكن الأصدقاء بحاجة إلى طعام يحبه الجميع بالدرجة نفسها. كانوا بحاجة إلى مائدة لا يتحول فيها الاختيار إلى محاكمة. وربما كان أول إصلاح بسيطًا: أن يقول أحدهم «لم أجربه، أخبرني عنه»، وأن يستطيع آخر أن يقول «سأختار شيئًا آخر» من غير أن تنتهي الصحبة.
أسئلة تبقى معنا
ما التفضيل الذي عاملتُه أخيرًا كما لو كان معيارًا لقيمة الناس؟ هل أستطيع شرح اعتراضي من دون إهانة صاحب الاختيار؟ من يتنازل غالبًا حين نقرر أمرًا مشتركًا؟ وأين أستطيع أن أترك مساحة لاختلاف لا يلزمني أن أحبه؟


